الشهيد الثاني

793

رسائل الشهيد الثاني ( ط . ج )

ولأجل هذا الخَيال الباطل والوهم الفاسد كلّ من يدّعي الاجتهاد يُتّهَمُ بحبّ الرئاسة والتقدّم على العامّة والخاصّة ، ولذلك صعب قبول اتّباعه على النفوس الآبية ، وشَقّ الانقيادُ على البريّة ، فانسدّ بابُ الاجتهاد ، واختلّ أحوالُ العباد ، فتعطَّل الأحكام ، وضاع الإسلام . فلو أنصف كلّ من المدّعى والمنكر صاحبَه من أنفسهما وعرفا قدرهما ولم يتجاوزا طَوْرَهما ، كان الواجب على المنكر تركَ العناد شفقةً على نفسه وسائر العباد ، وشكراً للمدّعي « 1 » إنْ كان صادقاً في دعواه ، والدعاء له إنْ كان مصيباً فيما ادّعاه ؛ لأنّه سبب لسقوط هذه المشقّة العظمى عن غيره ، ومخرج له عن تلك المهلكة الشديدة العامّة البلوى ، وهذه نعمة عظيمة ، وشكر المنعم غنيمة . ويجب على المدّعى أيضاً تركُ ما لا يليق بأمثاله ، وإصلاحُ حاله ، وليتلطَّف ويتواضع ويتزهّد عن الدنيا الدنيّة ، كما هو عادة الصلحاء والأتقياء والزهّاد ؛ إذ هذه سيرة الأنبياء وشِيمة الأولياء ، فالذي يدّعي نيابتهم ناسب أنْ يُشابههم في بعض صفاتهم وأخلاقهم وأفعالهم . ويجب أنْ يكون ملازماً للتقوى والمروءة ، إذ لا يجوز العمل بقول غير العادل . فلا بدّ أنْ لا يتوغَّل في تحصيل الدنيا ، وأن لا يجعل هذه المرتبة الشريفة شركاً لها ووسيلة لتحصيلها . وفّقنا الله وإيّاكم للتقوى ؛ فإنّه خير موفّق ومعين ، والصلاة والسلام على أفضل المرسلين وآله الطيّبين الطاهرين .

--> « 1 » في هامش بعض النسخ : « بل وإن كان مخطئاً ؛ لأنّ المخطئَ في الاجتهاد مُثاب ، وإنْ كان للبحث هنا مجال ؛ إذ الظاهر أنّ هذا الحكم مختصّ بمن يكون مجتهداً في غير اجتهاده ، والحقّ عدم التخصيص » ( منه ) .